نخصص هذه الأبعاد للإصدارات الليبية الحديثة إضافة إلي غيرها من الكتب القيمة التي سبق لها النشر
ونخصصها  كذلك للتعريف بالأدباء والكتاب والفنانين  الليبيين لزوار عش الحمامة علي شبكة الإنترنت
كما نترجمها  في وقت لاحق إلي اللغة الإنجليزية لبثها علي مواقع البحث العالمية
 


 

لوحة الغلاف للفنان : فتحي العريبي - طرابلس 1977

 


جزء من كتاب
( عودة الولد الصغير  )

للكاتب الليبي
سالم الهنداوي

 

سالم الهنداوي في عش الحمامة - تصوير : فتحي العريبي 1975



 

صدر حديثاًً للقاص والروائي الليبي المعروف سالم الهنداوي كتاب حكايات من بنغازي بعنوان ( عودة الولد الصغير ) وفيه يروي الهنداوي بلغته الشيقة رواية مدينة في حياة طفل من بنغازي الستينيات، حيث يرحل بنا في ذاكرة نكاد نفتقدها عن بنغازي القديمة. فشخصية الطفل ( سالم زنقي الجنجان ) في سيرة بنغازي القديمة هي شخصية الكاتب ( سالم الهنداوي ) الذي أجاد بلغة سرده الجميل عرض تفاصيل ذاكرة البنغازيين لتلك الفترة.

لقد كانت مفاجأة الهنداوي كبيرة على قرائه بعد غياب ليس بالقصير عن كتابة القصة. وإذا كان قد أصدر في بيروت منذ أعوام مجموعته القصصية الكبيرة ( ظلال نائية ) إلاَّ أنه بعد عودته من الغربة كان يجمع كل الحنين الذي عاشه لسنوات في قبرص، فكانت الحكايات هي كل ذلك الحنين الذي تفتَّح في ذاكرة منسية لمدينة نستها أرصفة البحر أو تكاد.

بعودة الولد الصغير يكون سالم الهنداوي قد عاد إلى بنغازي، عاد بالحنين لكل أبناء جيله الذي عاش تلك الفترة بتفاصيل الحياة فيها.

ااا  عش الحمامة  ااا
بنغازي

 بنغازي في الذاكرة
وجه قديم كوجه أبي
( الفصل الأول )

ولأنها غامضة كتلك الأسرار، كانت بنغازي محطَّ الرحال عبر التاريخ، يعبرونها من الشرق والغرب، ويقيمون فيها. تسحرهم بطيب مقامها وحنانها، فيختارونها الأُم التي يستحيل تبديلها. تخاف عليهم من الجوع والعراء، فتأويهم إلى صدرها الكبير دون أن تسألهم : من أين أنتم ؟ فبنغازي بعد " سيدي غازي " لم تلد أحداً. كانت دار الأيتام في الطريق الطويلة لشمال أفريقيا. تأخذ من العابرين محبَّتهم لها، وتقبلهم في دارها الواسعة أبناءً لها، وتطعمهم من بركات سيدي غازي. لذلك سُمِّيت بنغازي " ربّاية الذايح " فعاشت لأبنائها وعاشوا لها عبر كل الأزمان التي تتبدَّل، ولم تتبدَّل بنغازي في حبِّها ؛ وإن تغيَّرت ملامحها جرَّاء قسوة الأيام عليها. تلك الملامح التي رأتها عيوننا في شوارعها القديمة، وعشناها كجزءٍ من حالتها الاستثنائية التي لم تشبه أحداً في الدنيا، وتشبهنا نحن مهما دارت الأيام علينا وعليها. 

تصوير : فتحي العريبي 1966

( شارع سيدي سالم  )
أختفي من الوجود أوائل السبعينيات من القرن الماضي
كما أختفت معالم كثيرة من المدينة
تصوير : فتحي العريبي 1966

 لم تكن بنغازي، مدينة الملح - بأي حال - مدينة ثراء. ولم تكن لتمتد أكثر من مسافة قدميِّ طفل في السابعة من عمره، اسمه " سالم زنقي الجنجان " بدأ حياته منذ أجهش بالبكاء الطويل على رمال شاطئ " توريللي " بسبب رسوبه في امتحان أول عام دراسي، ثم مسح أول الدرب عن عينيه، ودفن دموعه هناك، على الشاطئ الغريب بين الصابري والشابي، وعاد إلى بيته في شارع " ميلاد باله " كأنه يحملُ جنازةَ فشله في الدنيا، تلك الدنيا التي لم تكن سوى الأحياء القديمة : بشوارعها الضيِّقة، بناسها وعرباتها البدائية، وبيوتها ودكاكينها، ومقاهيها الشعبية. دنيا لها حدود جغرافية غير متناسقة، تبدأ من : " الثامة، والزريريعية، ودكاكين حميد، والصابري، وتوريللي، وسيدي خريبيش، والشابي " ثم " سوق الحشيش، والسكابلي، وسيدي حسين، " وشرقاً " رأس عبيدة " ثم تنقطع عند " السيلس " لتبدأ " السبَّالة والبركة والكيش " وشرقاً " الرويسات " التي كان يشقُّها صوت القطار وهو في طريقه إلى الأبيار والمرج. وكانت محطته الكبيرة في السبَّالة قبل محطته الأخيرة في سلوق، مبعث فرح للزائرين من أمثالنا نحن جماعة البواخر البحرية، سكان البحر. فنحن من يستقبل حجَّاج المدينة وضواحيها في ساحة مدرسة " توريللي" قبل أن تأخذهم " إتوبيسات السلاَّك " بلباسهم الأبيض إلى الميناء. و حين تُطلِق الباخرة " مريانا لاتسي" صافراتها المتّصلة مُعلِنة مغادرة الميناء، ونشاهد من بعيد دخانها الكثيف وهي تمخر عباب البحر، نبتهل لرحيلهم قائلين ( بابور الحجاج تكلَّم، صلَّى الله عليه وسلَّم ).. وتمضي الليالي في انتظار هدايا الحجَّاج من القمصان العربية، والعقالات، والطاقيّات المزخرفة، ونتأمَّل رفيف راياتهم البيضاء على أسطح البيوت، تلك الرايات التي كُنَّا نخاف عليها من السقوط ؛ كي يعود الحجَّاج سالمين إلى بيوتهم، فنفرح بعودتهم مثلما نفرح بهداياهم .

 تلك هي الدنيا التي لم تخفني من الفشل في الدراسة، لأن المدرسة لم تمتحني في بنغازي التي أحببتُ ناسها، وتعلّقتُ بهم. ولم تمتحني في ألعابنا الموسمية : الزغادي، الطقيرة، التصاوير، البطش، الخلالات، الغمّيضة، وليبرة وحلَّتْ، والزنّاحة والعربات التي كُنَّا نصنعها بالتلِّ وعُلب الحليب الفارغة، والمكارة بمغاطي القازوزة، وكراريس الكوشينيتي. ولم تمتحني في مناداتنا البريئة من أجل المطر، ونحن نحمل دمية " أُم قطمبو " عالياً، ونطوف الشوارع قائلين : أُم قطمبو يالصغار، جايا تشحت في لمطار... وإذا ما نزل المطر ركضنا فرحين مبتهلِين : يا مطر يا بشباشا... تغمرنا السعادة بالماء الذي ينهمر علينا، نفتح أفواهنا لنشرب من السماء، ثم نلهو بمياه الموازيب المتدفقة على رؤوسنا، ونركض في الغدران، ونعود إلى بيوتنا مبتلِّين، مقرورين تحت سماء داكنة، كأنها الشتاء الكبير.


ااا  الفصل الثاني  ااا



البريد الإلكتروني للكاتب : سالم الهنداوي
salemelhendawi@hotmail.com



 

أبعاد ثقافية

 الصفحة الرئيسية - Home



عش الحمامة

صفحات أدبية وأبعاد تشكيلية للفنان الليبي - فتحي العريبي
Fathi El-Areibi :  Libyan artist & writer
fabigraph@yahoo.com